ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الصين تلملم بقايا عالم خرّبته يد الغرب الهمجية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
فرات الخوري
فرات الخوري
الجمعة 20 كانون الأول 2024
الخط


كنت مستلقياً على الأريكة ولم أتوقّع أبداً أن أتلقّى رسالةً من معلّمتي الصينية السابقة تقول لي: هل يهمّك الحصول على وظيفة جديدة؟ أعرف شركة صينية تحتاج إلى مترجم. قلت بالطبع نعم، وفي اليوم التالي قابلني مدير الشركة وبعد ذلك بيوم بدأت العمل.
إنها ورشة كبيرة، إحدى أكبر المشاريع التي أقيمت في لبنان في الفترة الأخيرة وأهمها، ومَن يديرها؟ ليس سوى الحكومة الصينية. بدأَت فكرة مشروع بناء معهد موسيقي ودار أوبيرا في لبنان في عام 2015 عندما أعلنت الحكومة اللبنانية عن رغبتها في تطوير البنية التحتية الثقافية والتعليمية الخاصة بالموسيقى. وفي عام 2017، قدّمت الصين اقتراحاً بتوفير هبة لبناء المشروع، وذلك في سياق دعمها للبنية التحتية الثقافية في لبنان، الذي اندرج في لائحة البلدان المتلقّية للدعم الصيني كجزء من «مبادرة الحزام والطريق».
بعد قرن وأكثر من الهيمنة الغربية على العالم، بعد أن قسّمت قوى أوروبا الشرق الأوسط بحسب مصالحها، تاركةً شعوب المنطقة في حالة تخبّط دائم، تماماً كما فعلت في أفريقيا والهند، وبعد أن خنقت الإمبراطورية الأميركية العالم، مطبقةً يدها الهمجية على أعناق الشعوب، من فييتنام إلى أفغانستان ثم العراق وسوريا وغيرها، هذا عدا عن دعمها للمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط لإخضاع المنطقة واستعبادها، بعد كل هذا جاءت الصين في القرن الحادي والعشرين، وكانت قد حققت أكبر نمو اقتصادي شهده العالم، رافضةً أن تخضع لهيمنة الغرب وعقوباته على اقتصادها وإنتاجها.
جاءت الصين بخطة كبيرة، أكبر مشروع اقتصادي تنموي شهده العالم: «مبادرة الحزام والطريق». فمن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي شمل مشاريع البنية التحتية مثل ميناء غوادار والطرق ومحطات الطاقة، إلى سيريلنكا حيث بنت الصين ميناء هامبانتوتا، إلى ماليزيا حيث أنشأت الصين سككاً حديدية جديدة وموانئ رئيسية. استطاعت الصين أن تربط العالم بخطوط اقتصادية لن تستفيد منها هي فحسب بل سيستفيد منها العالم أجمع.
وفي عام 2020، وصل قطار التنمية الصيني إلى لبنان على شكل المعهد الموسيقي هذا، فأُطلقت رسمياً أعمال بناء المعهد الوطني العالي للموسيقى الجديد في منطقة الضبيّة، شمال بيروت، بتمويل من الحكومة الصينية كهبة للبنان.
كان أول يوم لي في الشركة وكنت متحمّساً للبدء بالعمل، إلا أنه صدفةً تعطّلت في ذلك اليوم المولّدات الكهربائية التي يعتمد عليها المشروع. فلبنان يعاني من مشكلة انقطاع الكهرباء، وقد تفاقمت هذه المشكلة بعد الأزمة الاقتصادية التي حلّت في البلاد عام 2019. ويعود سبب ذلك إلى الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وتاريخ لبنان وحروبه الطويلة، لا سيما حروبه مع إسرائيل حيث قصفت هذه الأخيرة محطات توليد الكهرباء في لبنان عدة مرّات، وأبرز هذه الحوادث كان خلال حرب تموز 2006، حيث تعرضت محطة الجية الحرارية، الواقعة جنوب بيروت، لقصف جوي إسرائيلي أدى إلى تسرب حوالي 15,000 طن من النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، محدثاً كارثة بيئية تُعتبر من أكبر التسربات النفطية في تاريخ المنطقة. خلاصة القصّة أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على توفير الطاقة للمشروع، لكن ذلك لم يقف في وجه الصينيين الذين أحضروا مولّدات طاقة من أجل مد الكهرباء إلى المشروع.
بعد حلّ مشكلة المولّدات، بدأ العمل مجدداً على المشروع. كانت وظيفتي سهلة نسبياً، فكل ما عليّ فعله هو الترجمة الفورية في بعض الاجتماعات والتواصل مع الشركات اللبنانية والمزوّدين لتوفير حاجات الشركة. خلال فترة عملي في الشركة، رأيت بعيني روح العمل الصينية، ولاحظت درجة الدقة التي يعمل بها زملائي الصينيون الذين تفرّغوا لهذا العمل، كادحين ساعات طويلة، تاركين عائلاتهم وأولادهم وقد جاؤوا إلى هذا البلد الذي يقع على بعد 7000 كلم من بلدهم الأم.
أصبح هؤلاء الزملاء بمثابة أخوتي الكبار، وخاصةً السيدة الطبّاخة التي كنت أدعوها «عمّتي» (阿姨) وكانت تهتمّ بي وبإطعامي اهتمام الأم بولدها، حتى أنها كانت تضع الطعام في صحني بعض الأحيان. من طرائف فترتي الوجيزة في الشركة كانت عندما شاهدت زملائي الصينيين يتكلمون بعض الكلمات العربية وزملائي الناطقين بالعربية (من لبنانيين وسوريين) يتكلمون بعض الكلمات الصينية! فالجميع تعلّم مصطلحات من اللغة الأخرى، أبرزها كان «لا يوجد» فكان زملائي العرب يقولون «مي يوه» ومعناها «لا يوجد» بالصينية، كما تعلّم الصينيون أن يقولوا «ما في» باللهجة المحلية وكانوا يقولونها هكذا: (马飞)، وأيضاً تعلّموا كيف يقولون «كل شيء» أو «كلّه» وكانوا يقولونها هكذا: (咕噜). فهل كان ذلك بداية نشوء لغة هجين (pidgin language) جديدة؟ قد يكون من البكر الإجابة عن هذا السؤال، ولكن أودّ ذكر ما حصل مع الطبّاخ السوري الذي كان يعمل تحت يد الطبّاخة الصينية، فبعد 3 سنوات من العمل هناك، تعلّم جميع المفردات المتعلّقة بالطبخ ولم يكن بحاجة إلى استخدام أيّ مترجم آليّ للتكلم معها.
للأسف، لم يستمر عملي في الشركة لفترة طويلة، فبعد أسبوعين فقط من بدء العمل، شنّت إسرائيل في 23 أيلول سلسلة غارات عنيفة على لبنان راح ضحيتها مئات الشهداء، في يوم واحد، في تصعيد جديد وغير مبرّر للحرب. فاضطرّت الشركة إلى تعليق المشروع إلى أجَل غير مسمّى وإجلاء جميع الصينيين من لبنان الذي وصل عددهم إلى أكثر من 200 مواطن صعدوا على متن سفينة وهربوا إلى الأمان. الآن وقد بدأ «وقف إطلاق النار»، قد يعود الصينيون مرة أخرى إلى لبنان لإتمام مشروعهم، أو لا. فلا أحد يعرف مصير هذا البلد الذي لا يتوافق مع مخطط إسرائيل وأميركا لـ«الشرق الأوسط الجديد». ومع التطوّرات الأخيرة في سوريا واستمرار خروقات إسرائيل لوقف إطلاق النار، يبقى احتمال عودة الاستقرار إلى لبنان ضئيلاً جداً، ولن ندري ما سيحدث إلّا مع مرور الوقت. رغم ذلك، تبقى الصين ومشروعها منارةً للمنطقة، وهي قد تكون اللاعب الوحيد في العالم الذي يبني الجسور ولا يهدمها. نحن نرقص في فم وحش الإمبريالية الأميركية التوسعية ويده الصهيونية، فمتى تنقلب موازين القوى لصالحنا ويعود الأمل إلى المنطقة؟

* مترجم لبناني

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك